ابن عطية الأندلسي
561
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
اتبعوني في اتباعي موسى ، ثم زهد في الدنيا وأخبر أنه شيء يتمتع به قليلا ، ورغب في الآخرة إذ هي دار الاستقرار . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو رجاء وشيبة والأعمش : « يدخلون » بفتح الياء وضم الخاء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والأعرج والحسن وأبو جعفر وعيسى : « يدخلون » بضم الياء وفتح الخاء . قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 41 إلى 45 ] وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) قد تقدم ذكر الخلاف هل هذه المقالة لموسى أو لمؤمن آل فرعون . والدعاء إلى طاعة اللّه وعبادته وتوحيده هو الدعاء إلى سبب النجاة فجعله دعاء إلى النجاة اختصارا واقتضابا ، وكذلك دعاؤهم إياه إلى الكفر واتباع دينهم : هو دعاء إلى سبب دخول النار ، فجعله دعاء إلى النار اختصارا ، ثم بين عليهم ما بين الدعوتين من البون في أن الواحدة شرك وكفر ، والأخرى دعوة إلى الإسناد إلى عزة اللّه وغفرانه . وقوله : ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ليس معناه أني جاهل به ، بل معناه العلم بأن الأوثان وفرعون وغيره ليس لهم مدخل في الألوهية ، وليس لأحد من البشر علم بوجه من وجوه النظر بأن لهم في الألوهية مدخلا ، بل العلم اليقين بغير ذلك من حدوثهم متحصل ، و : لا جَرَمَ مذهب سيبويه والخليل أنها لا النافية دخلت على جَرَمَ ، ومعنى : جَرَمَ ثبت ووجب ، ومن ذلك جرم بمعنى كسب ، ومنه قول الشاعر [ أبو أسماء بن الضريبة ] : [ الكامل ] ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها من أن يغضبوا أي أوجبت لهم ذلك وثبتته لهم ، فكأن الكلام نفي للكلام المردود عليه ب لا ، وإثبات للمستأنف ب جَرَمَ و « أن » على هذا النظر في موضع رفع ب جَرَمَ ، وكذلك أَنَّ الثانية والثالثة ، ومذهب جماعة من أهل اللسان أن لا جَرَمَ بمعنى لا بد ولا محالة ، ف أَنَّ على هذا النظر في موضع نصب بإسقاط حرف الجر ، أي لا محالة بأن ما . و « ما » بمعنى الذي واقعة على الأصنام وما عبدوه من دون اللّه . وقوله : لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ أي قدر وحق يجب أن يدعى أحد إليه ، فكأنه تدعونني إلى ما لا غناء له وبين أيدينا خطب جليل من الرد إلى اللّه . وأهل الإسراف والشرك : هم أصحاب النار بالخلود فيها